الشيخ السبحاني

220

بحوث في الملل والنحل

المكاني ، فما قيمة العلو في المكان إذا لم يكن هناك علو معنوي ، وهذا هو القرآن يركّز على العلو المعنوي ، ويقول : « وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » « 1 » ، وقال سبحانه : « أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ » « 2 » ، وقال سبحانه : « إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً » « 3 » ، وقال تعالى : « وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ » « 4 » ، وقال : « لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى » « 5 » . هذا كلّه حول الاستواء ، وأمّا العرش فهو سرير الملك الّذي يجلس عليه للحكم ، وهذا هو أصل الوضع ، ثمّ يكنّى به عن السلطة والسيطرة ، حتّى صار يستعمل في هذا المعنى ولا ينصرف إلى المعنى اللغوي ، فإذا كان الملك آخذاً بزمام الأُمور ومسيطراً على البلد وأهله يقال : استوى على العرش ، أو هو مستو عليه ، وإذا كان ضعيفاً في الإدارة غير نافذ أمره في البلد وأهله ، وكان هناك انتفاضة بعد انتفاضة ، يقال : إنّه غير مستو على عرشه . ومن تتبّع القرآن الكريم وأمعن النظر في الموارد الّتي ورد فيها استواؤه سبحانه على العرش في موارد متعددة يجد أنّه ذكر مقروناً بفعل من أفعاله ، دالّ على غناه المطلق ، مثل رفع السماوات بغير عمد ، قال سبحانه : « اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ

--> ( 1 ) . آل عمران : 139 . ( 2 ) . النمل : 31 . ( 3 ) . القصص : 4 . ( 4 ) . الدخان : 19 . ( 5 ) . طه : 68 .